jahdali
08 11 2006, 01:29 AM
رحلات السفن الشراعية من بلدة الدعيجية في عهد الملك عبد العزيز آل سعود (1344-1373هـ)
* محمد بن حميد الجحدلي الحربي
تقع بلدة الدعيجية على ساحل البحر الأحمر، شمال مدينة جدة بنحو تسعين كيلاً شمالاً، وتتبع إدارياً محافظة جدة، وتعرف حالياً باسم بلدة ثول.
وثول: هو اسم الوادي المحيط بالبلدة من جهات الجنوب والشرق، ولكن غلبت هذه التسمية مؤخراً على البلدة فأصبحت تعرف ببلدة ثول نسبة إلى الوادي.
قال الشيخ عاتق البلادي
الدعيجية: تصغير المنسوب إلى الدعج، وهو سواد العيون: بلدة ساحلية عامرة ذات أحياء متعددة فيها إمارة وشرطة ومستوصف صحي ومسجد جامع ومدارس عديدة، تقع على الطريق بين جدة ورابغ، سكانها من زبيد من حرب، وحرفتهم الأصلية صيد الأسماك، وغلب عليها اليوم اسم ثول، وثول: الخبت كلّه المحيط بالدعيجية، أما البلدة فهذا اسمها (1).
وقال أيضاً:
ثول: هو الخبت الذي يصب فيه ماء أمَج قبل البحر فيه مزارع عثرية، كان مشهوراً بجودة دخنه يحضره الناس كما يحضرون صيف النخل، وفيه بلدة الدعيجية على الطريق بين جدة ورابغ"(2).
وقد ورد ذكر ثول في الشعر العربي، فقد مدح الشريف بركات بن محمد بن بركات بالنصر على أعدائه سنة 912هـ، شاعر البطحاء شهاب الدين أحمد بن الحسين العليف، بقصيدة طويلة مطلعها:
العِزُّ تحتَ ظلالِ البيضِ والأسلِ
======= يومَ الطعانِ وسبق السيف للعذلِ
إلى أن يقول:
يكاد يسمع وقع المرهفات به
==========من بالخريبة ممتداً إلى ثولِ(3)
كما ورد ذكر البلدة باسم الدعيجية في الشعر الشعبي، فمن ذلك قول أحد الشعراء الشعبيين:
إن كنت لمخمرة بتروح
===== =أنا بروح الدعيجية
وقول آخر:
وجودي وجود اللي حلاله ورد عسفان
====== مصدر من أم الرين يبغى الدعيجية
اشتهرت بلدة الدعيجية بأنها من القرى الكبيرة لقبيلة حرب في الحجاز مثل: رابغ، وخليص، وغيرها، وقد كانت مركزاً تجارياً مهماً لبعض القرى المجاورة لها، وسوقاً عامراً للبيع والشراء، يقول أحد الشعراء الشعبيين:
لعل سوق الدعيجية
=========يخلى نزوله من القاري
كانت الحرفة الأساسية لأهالي البلدة من قبيلة الجحادلة قبل دخول الحجاز تحت حكم الملك عبد العزيز -رحمه الله تعالى -هي مهنة الغوص واستخراج الصدف (المحار) من أعماق البحر وبيعه في بعض المواني المطلة على ساحل البحر الأحمر مثل: ميناء مصوع في إرتريا، وميناء سواكن في السودان. وقد استمرت تلك المهنة خلال حكم الملك عبد العزيز، وفترة من بدايات حكم الملك سعود - رحمه الله تعالى - قبل أن تتوقف هذه المهنة نهائياً مع تطور الصناعة الحديثة.
يطلق أهالي البلدة على من يمتهنون هذه الحرفة لقب: الصدَّافة، ومفرده صدَّاف، أما رحلات الغوص فقد كانوا يطلقون عليه اسم: السَّفرْ، ذلك لأن من يعمل بهذه المهنة يُسافر فترة تقترب من تسعة أشهر - من أواخر شهر ذي الحجة إلى أواخر شهر شعبان من كل عام - متنقلين من موقع إلى آخر، ومن ميناء إلى آخر، على طول ساحل البحر الأحمر بشقيه الشرقي والغربي بواسطة السفن الشراعية التي تعرف باسم: السَّاعية، والسَّنبوك.
رحلات السفن الشراعية
الاستعداد للسفر
يبدأ الاستعداد لرحلة الغوص في بداية شهر ذي الحجة من كل عام، ويقوم مالك الساعية، بمنح البحارة العاملين على الساعية مبلغاً من المال لكل شخص منهم لشراء ما يحتاج إليه ولذويه خلال فترة رحلة الغوص، ويتم تسجيل المبلغ على كل شخص كدين أو دفعة مقدمة تخصم من حسابه في نهاية رحلة الغوص، وغالباً يكون عدد البحارة العاملين على الساعية الواحدة نحو ستة عشر رجلاً إضافة إلى النخوذة وبعض الأطفال، كما يتكلف مالك الساعية بمصاريف أهالي البحارة وذويهم العاملين على ساعيته خلال فترة السفر، وذلك بأن يقرر لهم مصروفاً شهرياً عبارة عن كيلتين من الأرز، وأربع كيلات من الدُخن، ومبلغ نقدي مقداره عشرة ريالات تسلم كل شهر، ويتم تسجيل هذا المبلغ على كل شخص من البحارة كدين يتم خصمه في نهاية رحلة الغوص من حسابه، وغالباً ما يكون لصاحب الساعية محل تجاري في البلدة، أو يتعامل مع أحد أصحاب المحلات في البلدة إذا لم يكن لديه محل تجاري.
يوم السفر
بعد أن يتم تجهيز الساعية وتحميل جميع الأغراض يتحدد موعد السفر وغالباً ما يكون في نهاية شهر ذي الحجة، وفي يوم السفر يخرج جميع الأهالي لتوديع البحارة وتبدأ الساعية بالمغادرة بينما يقف ذويهم من الأطفال والنساء على ساحل البحر لوداعهم، وغالباً ما تسافر ساعيتان في آن وأحد مع بعض طوال الرحلة ويعرف ذلك لدى أهل البحر باسم: سِنْجَار.
خط سير الرحلة
بعد مغادرة الساعية بلدة الدعيجية (ثول) تسير باتجاه الجنوب إلى مدينة جدة، التي تصل إليها بعد يومين أو ثلاثة أيام حسب طبيعة الرياح. وفي جدة يتم إكمال ما نقص عليهم من المؤنة، وبعد قضاء يومين أو ثلاثة أيام في جدة يتم الرحيل إلى الجنوب لممارسة الغوص لاستخراج الصدف (المحار) من أعماق البحر، وتصل الساعية في رحلة الغوص جنوباً إلى مواني الليث، والقنفذة، وجازان، وجزر فرسان على الساحل الشرقي للبحر الأحمر.
طريقة الغوص
عندما تصل الساعية إلى موقع مناسب لاستخراج الصدف، تتوقف لفترة قد تصل إلى أسبوع حسب مساحة الموقع وكمية الصدف، وفي الصباح الباكر وقبل شروق الشمس ينادي النخوذة على البحارة معلناً بداية العمل، ويتم إنزال القوارب الصغيرة من الساعية وطول كل قارب لا يتجاوز المترين طولاً في عرض نصف متر تقريباً وبارتفاع مماثل، ويصعد إلى القارب شخصين أحدهم يعرف باسم: الريس وغالباً ما يكون صاحب القارب، فيجلس في وسط القارب ومعه المرآة وهي عبارة عن تنكة من الصفيح في أسفلها فتحة غطيت بقطعة من الزجاج بينما تركت من الأعلى مفتوحة ينظر الريس من خلالها إلى قاع البحر، والمرآة تقوم بتقريب قاع البحر مع وضوح الرؤية، ويجلس الآخر في مؤخرة القارب ويقوم بعملية التجديف، وعندما يرى الريس صدفة في قاع البحر يخبر من جلس في آخر القارب بذلك فيتوقف فوراً عن التجديف ويقوم بالقفز إلى عمق البحر مباشرة، والغوص لاستخراج الصدفة دون استخدام أي ثقل يساعده على النزول بسرعة إلى عمق البحر. وفي بعض الأحيان يقوم الريس بقذف حديدة إلى قاع البحر تشبه الحربة تعرف باسم: المسلة، لتكون علامة واضحة على موقع الصدفة.
.
* محمد بن حميد الجحدلي الحربي
تقع بلدة الدعيجية على ساحل البحر الأحمر، شمال مدينة جدة بنحو تسعين كيلاً شمالاً، وتتبع إدارياً محافظة جدة، وتعرف حالياً باسم بلدة ثول.
وثول: هو اسم الوادي المحيط بالبلدة من جهات الجنوب والشرق، ولكن غلبت هذه التسمية مؤخراً على البلدة فأصبحت تعرف ببلدة ثول نسبة إلى الوادي.
قال الشيخ عاتق البلادي
الدعيجية: تصغير المنسوب إلى الدعج، وهو سواد العيون: بلدة ساحلية عامرة ذات أحياء متعددة فيها إمارة وشرطة ومستوصف صحي ومسجد جامع ومدارس عديدة، تقع على الطريق بين جدة ورابغ، سكانها من زبيد من حرب، وحرفتهم الأصلية صيد الأسماك، وغلب عليها اليوم اسم ثول، وثول: الخبت كلّه المحيط بالدعيجية، أما البلدة فهذا اسمها (1).
وقال أيضاً:
ثول: هو الخبت الذي يصب فيه ماء أمَج قبل البحر فيه مزارع عثرية، كان مشهوراً بجودة دخنه يحضره الناس كما يحضرون صيف النخل، وفيه بلدة الدعيجية على الطريق بين جدة ورابغ"(2).
وقد ورد ذكر ثول في الشعر العربي، فقد مدح الشريف بركات بن محمد بن بركات بالنصر على أعدائه سنة 912هـ، شاعر البطحاء شهاب الدين أحمد بن الحسين العليف، بقصيدة طويلة مطلعها:
العِزُّ تحتَ ظلالِ البيضِ والأسلِ
======= يومَ الطعانِ وسبق السيف للعذلِ
إلى أن يقول:
يكاد يسمع وقع المرهفات به
==========من بالخريبة ممتداً إلى ثولِ(3)
كما ورد ذكر البلدة باسم الدعيجية في الشعر الشعبي، فمن ذلك قول أحد الشعراء الشعبيين:
إن كنت لمخمرة بتروح
===== =أنا بروح الدعيجية
وقول آخر:
وجودي وجود اللي حلاله ورد عسفان
====== مصدر من أم الرين يبغى الدعيجية
اشتهرت بلدة الدعيجية بأنها من القرى الكبيرة لقبيلة حرب في الحجاز مثل: رابغ، وخليص، وغيرها، وقد كانت مركزاً تجارياً مهماً لبعض القرى المجاورة لها، وسوقاً عامراً للبيع والشراء، يقول أحد الشعراء الشعبيين:
لعل سوق الدعيجية
=========يخلى نزوله من القاري
كانت الحرفة الأساسية لأهالي البلدة من قبيلة الجحادلة قبل دخول الحجاز تحت حكم الملك عبد العزيز -رحمه الله تعالى -هي مهنة الغوص واستخراج الصدف (المحار) من أعماق البحر وبيعه في بعض المواني المطلة على ساحل البحر الأحمر مثل: ميناء مصوع في إرتريا، وميناء سواكن في السودان. وقد استمرت تلك المهنة خلال حكم الملك عبد العزيز، وفترة من بدايات حكم الملك سعود - رحمه الله تعالى - قبل أن تتوقف هذه المهنة نهائياً مع تطور الصناعة الحديثة.
يطلق أهالي البلدة على من يمتهنون هذه الحرفة لقب: الصدَّافة، ومفرده صدَّاف، أما رحلات الغوص فقد كانوا يطلقون عليه اسم: السَّفرْ، ذلك لأن من يعمل بهذه المهنة يُسافر فترة تقترب من تسعة أشهر - من أواخر شهر ذي الحجة إلى أواخر شهر شعبان من كل عام - متنقلين من موقع إلى آخر، ومن ميناء إلى آخر، على طول ساحل البحر الأحمر بشقيه الشرقي والغربي بواسطة السفن الشراعية التي تعرف باسم: السَّاعية، والسَّنبوك.
رحلات السفن الشراعية
الاستعداد للسفر
يبدأ الاستعداد لرحلة الغوص في بداية شهر ذي الحجة من كل عام، ويقوم مالك الساعية، بمنح البحارة العاملين على الساعية مبلغاً من المال لكل شخص منهم لشراء ما يحتاج إليه ولذويه خلال فترة رحلة الغوص، ويتم تسجيل المبلغ على كل شخص كدين أو دفعة مقدمة تخصم من حسابه في نهاية رحلة الغوص، وغالباً يكون عدد البحارة العاملين على الساعية الواحدة نحو ستة عشر رجلاً إضافة إلى النخوذة وبعض الأطفال، كما يتكلف مالك الساعية بمصاريف أهالي البحارة وذويهم العاملين على ساعيته خلال فترة السفر، وذلك بأن يقرر لهم مصروفاً شهرياً عبارة عن كيلتين من الأرز، وأربع كيلات من الدُخن، ومبلغ نقدي مقداره عشرة ريالات تسلم كل شهر، ويتم تسجيل هذا المبلغ على كل شخص من البحارة كدين يتم خصمه في نهاية رحلة الغوص من حسابه، وغالباً ما يكون لصاحب الساعية محل تجاري في البلدة، أو يتعامل مع أحد أصحاب المحلات في البلدة إذا لم يكن لديه محل تجاري.
يوم السفر
بعد أن يتم تجهيز الساعية وتحميل جميع الأغراض يتحدد موعد السفر وغالباً ما يكون في نهاية شهر ذي الحجة، وفي يوم السفر يخرج جميع الأهالي لتوديع البحارة وتبدأ الساعية بالمغادرة بينما يقف ذويهم من الأطفال والنساء على ساحل البحر لوداعهم، وغالباً ما تسافر ساعيتان في آن وأحد مع بعض طوال الرحلة ويعرف ذلك لدى أهل البحر باسم: سِنْجَار.
خط سير الرحلة
بعد مغادرة الساعية بلدة الدعيجية (ثول) تسير باتجاه الجنوب إلى مدينة جدة، التي تصل إليها بعد يومين أو ثلاثة أيام حسب طبيعة الرياح. وفي جدة يتم إكمال ما نقص عليهم من المؤنة، وبعد قضاء يومين أو ثلاثة أيام في جدة يتم الرحيل إلى الجنوب لممارسة الغوص لاستخراج الصدف (المحار) من أعماق البحر، وتصل الساعية في رحلة الغوص جنوباً إلى مواني الليث، والقنفذة، وجازان، وجزر فرسان على الساحل الشرقي للبحر الأحمر.
طريقة الغوص
عندما تصل الساعية إلى موقع مناسب لاستخراج الصدف، تتوقف لفترة قد تصل إلى أسبوع حسب مساحة الموقع وكمية الصدف، وفي الصباح الباكر وقبل شروق الشمس ينادي النخوذة على البحارة معلناً بداية العمل، ويتم إنزال القوارب الصغيرة من الساعية وطول كل قارب لا يتجاوز المترين طولاً في عرض نصف متر تقريباً وبارتفاع مماثل، ويصعد إلى القارب شخصين أحدهم يعرف باسم: الريس وغالباً ما يكون صاحب القارب، فيجلس في وسط القارب ومعه المرآة وهي عبارة عن تنكة من الصفيح في أسفلها فتحة غطيت بقطعة من الزجاج بينما تركت من الأعلى مفتوحة ينظر الريس من خلالها إلى قاع البحر، والمرآة تقوم بتقريب قاع البحر مع وضوح الرؤية، ويجلس الآخر في مؤخرة القارب ويقوم بعملية التجديف، وعندما يرى الريس صدفة في قاع البحر يخبر من جلس في آخر القارب بذلك فيتوقف فوراً عن التجديف ويقوم بالقفز إلى عمق البحر مباشرة، والغوص لاستخراج الصدفة دون استخدام أي ثقل يساعده على النزول بسرعة إلى عمق البحر. وفي بعض الأحيان يقوم الريس بقذف حديدة إلى قاع البحر تشبه الحربة تعرف باسم: المسلة، لتكون علامة واضحة على موقع الصدفة.
.